الشنقيطي

349

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فالعمل به من العمل بالدليل الشرعي لا من التقليد الأعمى . وذلك كله من قبيل الشهادة ، والإخبار بما عرفه القائف والخارص إلى آخره ، لا من قبيل الفتوى في الدين . وقد استدل العلماء على قبول قول القائف بسرور النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قول مجزز بن الأعور المدلجي في أسامة وزيد « هذه الأقدام بعضها من بعض » « 1 » . فلو كان قول القائف : لا يقبل لما أقره النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ولما برقت أسارير وجهه سرورا به . فقبوله لذلك ، فهو اتباع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد قدمنا الأحاديث النبوية الدالة على قبول قول الخارص ، وبينا أن بعضها ثابت في الصحيح . ورد قول من منع ذلك في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [ الأنعام : 141 ] . فهذا مثال ما ثبت بالسنة من قبول قول المذكورين . ومثال ما دل عليه القرآن من ذلك قبول قول الحكمين في المثل في جزاء الصيد ، لأن اللّه نص عليه في قوله تعالى فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [ المائدة : 95 ] الآية . وهكذا كل من ذكروا ، فإن قبول قولهم : إنما صح بدليل شرعي يدل على قبوله من كتاب أو سنة أو إجماع . مع أن الإخبار عن جميع ما ذكر إخبار عن محسوس ، والتقليد الذي استدلوا به عليه إخبار عن معقول مظنون . والفرق بين الأمرين قدمناه قريبا ، فليس شيء من ذلك تقليدا أعمى بدون حجة . وأما استدلالهم على التقليد المذكور بجواز شراء اللحوم والثياب والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها اكتفاء بتقليد أربابها . فهو ظاهر السقوط أيضا . لأن الاكتفاء بقول الذابح والبائع ليس بتقليد أعمى في حكم ديني لهما . وإنما هو عمل بالأدلة الشرعية ، لأنها دلت على أن ما في أسواق المسلمين من اللحوم والسلع محمول على الجواز والصحة ، حتى يظهر ما يخالف ذلك .

--> ( 1 ) سبق تخريجه .